الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

383

تفسير روح البيان

المجمع عليها كما هو المشهور في مثله أَنْزَلْناهُ يعنى القرآن حُكْماً يحكم في كل شئ يحتاج اليه العباد على مقتضى الحكمة والصواب . فالحكم مصدر بمعنى الحاكم لما كان جميع التكاليف الشرعية مستنبطا من القرآن كان سببا للحكم فاسند اليه الحكم اسنادا مجازيا ثم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة ويقال حكما اى محكما لا يقبل النسخ والتغيير عَرَبِيًّا مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصاب حكما على أنه حال موطئة وعربيا صفته والحال الموطئة اسم جامد موصوف بصفة هي الحال فكأن الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال في الحقيقة لمجيئه قبلها موصوفا بها - روى - ان المشركين كانوا يدعونه عليه السلام إلى اتباع ملة آبائهم المشركين وكان اليهود يدعونه إلى الصلاة إلى قبلتهم اى بيت المقدس بعد ما حول عنها فقال تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها لتقرير دينهم جعل ما يدعونه اليه من الدين الباطل والطريق الزائغ هوى وهو ما يميل اليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول لكونه هوى محضا بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ من الدين المعلوم صحته بالبراهين ما لَكَ مِنَ اللَّهِ من عذابه مِنْ وَلِيٍّ ينصرك وَلا واقٍ يحفظك ويمنع عنك العذاب وهذا خطاب له عليه السلام والمراد تحريض أمته على التمسك بالدين وتحذيره من التزلزل فإنه إذا حذر من كان ارفع منزلة من الكل هذا التحذير كان غيره أولى بذلك أعانك اللّه وإياي في كل مقام فعلى العاقل ان يسلك طريق العبودية إلى عالم الربوبية ولا يشرك شيأ من الدنيا والآخرة بل يكون مخلصا في طلبه ومن اتبع الشرك بعد ما جاءه من العلم وهو طلب الوحدانية ببذل الا نانية ماله من اللّه من ولى يخرجه من ظلمات الاثنينية إلى نور الوحدانية ولا واق يقيه من عذاب البعد وحجاب الشركة في الوجود بالوجود فطريق الخلاص انما هي العبودية قال الامام الفخر الرازي في الكبير وقد بلغ شرف العبودية مبلغا بحيث اختلف العلماء في العبودية والرسالة المستجمعتين في المرسلين أيهما أفضل فقالوا ان العبودية أفضل واستدلوا عليه بأنه بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق والعبودية ان يكل أموره إلى سيده فيكون هو المتكفل تعالى بإصلاح مهامه والرسالة التكفل بمهام الأمة وشتان ما بينهما هذا آخر كلامه والعبودية هي مقام الجمع والرسالة مقام التفرقة انظر إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان في تمحض عبوديته مع ربه كما اخبر عنه ( أبيت عند ربى هو يطعمني ويسقيني ) وفي حال رسالته يقول ( كلميني يا حميراء ) لينقطع من الحق إلى الخلق وكفى شرفا تقديم العبد على الرسول في اشهد ان محمدا عبده ورسوله وفي العبودية معنى الكرامة والتشريف كما قال إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ : قال الحافظ گدايئ در جانان بسلطنت مفروش * كسى ز سايهء اين در بآفتاب رود وعن علي رضى اللّه عنه كفاني شرفا أن تكون لي ربا وكفاني عزا ان أكون لك عبدا وكما أن اللّه تعالى هو خالق العبد فكذا لا جاعل للعبد عبدا وذلك برفع هواه الا هو ألا ترى إلى قوله تعالى بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ابدا لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فان المطهر بالكسر في الحقيقة هو اللّه تعالى